فخر الدين الرازي

103

تفسير الرازي

بيوتهم المبنية بالحجارة والكلس وخفي عليهم وجوه الهلاك ، يدعون مالك الفلك ، وينسبون ما كانوا ينسبون البحر والفلك إليه ، وإليه الإشارة بقوله : * ( فإذا ركبوا في الفلك ) * ( العنكبوت : 65 ) الآية . المسألة الثانية : ( الجواري ) جمع جارية ، وهي اسم للسفينة أو صفة ، فإن كانت اسماً لزم الاشتراك والأصل عدمه ، وإن كانت صفة الأصل أن تكون الصفة جارية على الموصوف ، ولم يذكر الموصوف هنا ، فنقول : الظاهر أن تكون صفة للتي تجري ونقل عن الميداني أن الجارية السفينة التي تجري لما أنها موضوعة للجري ، وسميت المملوكة جارية لأن الحرة تراد للسكن والازدواج ، والمملوكة لتجري في الحوائج ، لكنها غلبت السفينة ، لأنها في أكثر أحوالها تجري ، ودل العقل على ما ذكرنا من أن السفينة هي التي تجري غير أنها غلبت بسبب الاشتقاق على السفينة الجارية ، ثم صار يطلق عليها ذلك وإن لم تجر ، حتى يقال : للسفينة الساكنة أو المشدودة على ساحل البحر جارية ، لما أنها تجري ، وللملوكة الجالسة جارية للغلبة ، ترك الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه فقوله تعالى : * ( وله الجوار ) * أي السفن الجاريات ، على أن السفينة أيضاً فعيلة من السفن وهو النحت ، وهي فعيلة بمعنى فاعلة عند ابن دريد أي تسفن الماء ، أو فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى منحوتة فالجارية والسفينة جاريتان على الفلك وفيه لطيفة لفظية : وهي أن الله تعالى لما أمر نوحاً عليه السلام باتخاذ السفينة ، قال : * ( واصنع الفلك بأعيننا ) * ( هود : 37 ) ففي أول الأمر قال لها : الفلك لأنها بعد لم تكن جرت ، ثم سماها بعدما عملها سفينة كما قال تعالى : * ( فأنجيناه وأصحاب السفينة ) * ( العنكبوت : 15 ) وسماها جارية كما قال تعالى : * ( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) * ( الحاقة : 11 ) وقد عرفنا أمر الفلك وجريها وصارت كالمسماة بها ، فالفلك قبل الكل ، ثم السفينة ثم الجارية . المسألة الثالثة : ما معنى المنشآت ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : المرفوعات من نشأت السحابة إذا ارتفعت ، وأنشأ الله إذا رفعه وحينئذ إما هي بأنفسها مرتفعة في البحر ، وإما مرفوعات الشراع وثانيهما : المحدثات الموجودات من أنشأ الله المخلوق أي خلقه فإن قيل : الوجه الثاني بعيد لأن قوله : * ( في البحر كالأعلام ) * متعلق بالمنشآت فكأنه قال : وله الجواري التي خلقت في البحر كالأعلام ، وهذا غير مناسب ، وأما على الأول فيكون كأنه قال : الجواري التي رفعت في البحر كالأعلام ، وذلك جيد والدليل على صحة ما ذكرنا أنك تقول : الرجل الجرئ في الحرب كالأسد فيكون حسناً ، ولو قلت : الرجل العالم بدل الجرئ في الحرب كالأسد لا يكون كذلك ، نقول : إذا تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف ، كان الإنشاء بمعنى الخلق لا ينافي قوله : * ( في البحر كالأعلام ) * لأن التقدير حينئذ له السفن الجارية في البحر كالأعلام ، فيكون أكثر بياناً للقدرة كأنه قال : له السفن التي تجري في البحر كالأعلام ، أي كأنها الجبال والجبال لا تجري إلا بقدرة الله تعالى ، فالأعلام جمع العلم الذي هو الجبل وأما الشراع المرفوع كالعلم الذي هو معروف ، فلا عجب فيه ، وليس العجب فيه كالعجب في جري الجبل في الماء وتكون المنشآت